الأربعاء , 12 كانون الأول 2018 م
Skip Navigation Links
كن مع الله ....
الجمعة , 12 تشرين الأول , 2018 :: 2:21 م
فقه الأولويات للشيخ د أشرف عبد الرحمن
ضع المؤشر فوق الصورة للمشاهدة بحجم اكبر

العقبة اليوم الإخباري

فقه الأولويات: تعريفه وأدلته

 

تعريف فقه الأولويات:

هو وضع كل شيء في مرتبته بالعدل من الأحكام والقيم والأعمال، ثم يقدَّم الأولى فالأولى بناءً على معايير شرعية صحيحة يهدي إليها نور الوحي وسلامة العقل، فلا يقدم غير المهمِّ على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المرجوح على الراجح، بل يقدَّم ما حقه التقديم ويؤخر ما حقه التأخير، ولا يكبر الصغير ولا يصغر الكبير، بل يوضع كل شيء في موضعه بالقسطاس المستقيم.

 

فالقيم والأحكام والأعمال والتكاليف متفاوتة في نظر الشرع تفاوتًا بليغًا، وليست كلها في مرتبة واحدة، فمنها الكبير ومنها الصغير، ومنها الأصلي ومنها الفرعي، ومنها الأركان ومنها المكملات، وفيها الأعلى والأدنى، والفاضل والمفضول.

والخلاصة: أن فقه الأولويات هو العلم بالأمور التي ثبت لها حق التقديم وفق الأدلة الشرعية[1].

 

أدلة فقه الأولويات من الكتاب والسنة:

لقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تدل على التفاوت في أحكام الأعمال ومراتبها، مما يدعونا إلى البحث عن فقه يساعدنا على تحديد الأولويات بين هذه الأحكام وهذه المراتب، لنيل أسمى الفضائل منها، واجتناب أنكر المنكرات، فمن هذه النصوص:

أولًا: من القرآن الكريم:

1- قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [التوبة].

أي: أجعلتم - أيها القوم - ما تقومون به من سقي الحجيج وعمارة المسجد الحرام - وهي  في ذاتها أعمال صالحة - كإيمان من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟ لا يستوون عند الله تعالى.

 

2- قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر].

أي: أهذا الكافر المتمتع بكفره - وهو الذي سبقت الإشارة إليه في الآية السابقة -، خيرٌ أم من هو عابد لربه طائع له، يقضي ساعات الليل في القيام والسجود لله، يخاف عذاب الآخرة، ويأمُل رحمة ربه؟ قل - أيها الرسول -: هل يستوي الذين يعلمون ربهم ودينهم الحق والذين لا يعلمون شيئًا من ذلك؟ لا يستوون، إنما يتذكر ويعرف الفرق بينهما أصحاب العقول السليمة.

 

3- وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ *وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ  ﴾ [فاطر].

أي: وما يستوي الأعمى عن دين الله، والبصير الذي أبصر طريق الحق واتبعه، وما تستوي  ظلمات الكفر ونور الإيمان، ولا الظلُّ ولا الريح الحارة، وما يستوي أحياء القلوب بالإيمان، وأموات القلوب بالكفر. إن الله يسمع من يشاء سماع فَهْم وقبول، وما أنت - أيها الرسول - بمسمع من في القبور، فكما لا تُسمع الموتى في قبورهم - سماع منفعة - فكذلك لا تُسمع هؤلاء الكفار لموت قلوبهم، وما أنت إلا نذير لهم من غضب الله وعقابه.

 

ثانيًا: ومن الحديث:

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سبق درهم  مائة ألف درهم" قالوا: وكيف؟ قال: "كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عُرض ماله فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق بها"[2].

 

4- وعنه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال: "الإيمان بضعٌ وسبعون  - أو بضع وستون - شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"[3].

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون شعبة - أو بضع وسبعون شعبة - فأرفعها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان"[4].

 

قال أبو حاتم ابن حبان: "والدليل على أن الإيمان أجزاءٌ بشعب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خبر عبد الله بن دينار: "الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله"، فذكر جزءًا من أجزاء شعبه، هي كلها فرضٌ على المخاطبين في جميع الأحوال، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل: وأني رسول الله، والإيمان بملائكته وكُتبه ورسله والجنة والنار وما يُشبه هذا من أجزاء هذه الشعبة، واقتصر على ذكر جزء واحد منها، حيث قال صلى الله عليه وسلم: أعلاها "شهادة أن لا إله إلا الله"، فدل هذا على أن سائر الأجزاء من هذه الشعبة كلها من الإيمان، ثم عطف فقال: "وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، فذكر جزءًا من أجزاء شعبة هي نفلٌ كلها للمخاطبين في كل الأوقات.

 

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الحياء شعبةٌ من الإيمان"، فهو لفظةٌ أطلقت على شيء  بكناية سببه، وذلك أن الحياء جبلةٌ في الإنسان، فمن الناس من يكثر فيه، ومنهم من يقل ذلك فيه، وهذا دليلٌ صحيح على زيادة الإيمان ونقصانه، لأن الناس ليسوا كلهم على مرتبة واحدة في الحياء. فلما استحال استواؤهم على مرتبة واحدة فيه، صح أن من وجد فيه أكثر، كان إيمانه أزيد، ومن وجد فيه منه أقل، كان إيمانه أنقص. والحياء في نفسه: "هو الشيء الحائل بين المرء وبين ما يباعده من ربه من المحظورات"، فكأنه جعل ترك المحظورات شعبة من الإيمان بإطلاق اسم الحياء عليه، على ما ذكرناه"[5].

 

وفي الجانب المقابل وضعت معايير لبيان الأعمال السيئة، كما بُيِّن تفاوتها عند الله سبحانه وتعالى من كبائر وصغائر، وشبهات ومكروهات، وذكرت أحيانًا بعض النسب بين بعضها وبعض، فمثلًا:

1- عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ستة وثلاثين زنية"[6].

 

2- وعن عبد العزيز بن مروان، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شر ما في الرجل شحٌّ هالع، وجبن خالع"[7].

 

3- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شرار أمتي الثرثارون، المتشدقون، المتفيهقون، وخيار أمتي أحاسنهم أخلاقًا"[8].

 

4- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسوأ  الناس سرقة الذي يسرق صلاته، قال: وكيف يسرق صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها، ولا سجودها"[9].

ولو نظرنا في حال مجتمعاتنا اليوم لوجدنا الخلل واضحًا في باب الأولويات بين الأعمال حتى بين بعض الصالحين... فنرى البعض يهتم ببناء المساجد في أماكن فيها مساجد أصلًا بدل اهتمامه ببناء المؤسسات التربوية والتعليمية التي تعلم الخير وترشد للهدى، وتستظل بمظلة شرع الله سبحانه وتعالى.

 

كما نرى البعض يقيمون بين الناس معارك حامية الوطيس من أجل مسائل جزئية أو خلافية، مهملين أصول الإسلام الكبرى وقضاياه الملحة.. فالبعض مثلًا وجد أكبر همه في البحث في محل لبس الساعة: أفي اليد اليمنى أم اليسرى؟!.. والأكل على المنضدة، والجلوس على الكرسي للطعام: هل يدخل في التشبه بالكفار أو لا؟!.. وغير ذلك من المسائل التي أعطيت قدرًا أكبر من حجمها الحقيقي مقارنة بالمسائل الهامة والملحة الأخرى فضلًا عما يترتب على الانشغال بها من تضييع الجهود والأوقات وإهدار الطاقات، وتمزيق الجماعات...، وهذا لا يعني عدم الاهتمام بشعائر ديننا وسنة نبينا الظاهرة، ولكنها إشارة فقط إلى بعض مظاهر الخلل في تديُّننا، والعجز في الجمع بينها.

 

كما أن البعض كذلك يعاملون آباءَهم بقسوة، وأمهاتهم بغلظة، وإخوانهم وأخواتهم بعنف، وحجتهم في ذلك أنهم عصاة أو منحرفون عن الدين! ناسين أن الله سبحانه وتعالى أوصى بالوالدين إحسانًا، وإن كانا مشركين يجاهدان ولدهما على الشرك، ويحاولان بكل جهدهما فتنته عن إسلامه:

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ  لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [لقمان].

 

ونجد من يهتمُّ بالنوافل أكثر من اهتمامه بالفرائض والواجبات، كما هو ملاحظ عند  بعض الذين يكثرون من الأذكار والتسابيح والأوراد ولم يولوا هذا الاهتمام لكثير من الفرائض وخصوصًا الاجتماعية منها مثل: بر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار، والرحمة بالضُّعفاء، ورعاية اليتامى والمساكين..!، لذا لا بد من التوازن بينهما بحيث لا يطغى فرض على سُنة، ولا سُنة على فرض.

 

فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، إن فلانة يُذكر من كثرة صلاتها، وصيامها، وصدقتها، غير أنها تُؤذي جيرانها بلسانها، قال: "هي في النار"، قال: يا رسول الله، فإن فلانة يُذكر من قلة صيامها، وصدقتها، وصلاتها، وإنها تصدق بالأثوار من الأقط، ولا تُؤذي جيرانها بلسانها، قال: "هي في الجنة"[10].

 

ونجد الاهتمام بالعبادات الفردية كالصلاة والذِّكر وإهمال بعض العبادات الاجتماعية التي يتعدى نفعها، كالفقه والإصلاح بين الناس والجهاد الواعي، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالصبر والمرحمة، والدعوة إلى العدل والشورى، ورعاية حقوق الإنسان عامة والإنسان الضعيف خاصة!

 

كما نجد على العكس من ذلك: من الناس من يهتم بالعبادات الاجتماعية بينما هو مهمل  لعقيدته وأركان دينه، فلا بد لنا من مراجعة شاملة لقيمنا في ضوء الشرع



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/121756/#ixzz5TicFceC2


إرسال إلى صديق
فقه الأولويات للشيخ د أشرف عبد الرحمن'
* إسم المرسل :  
* بريدك الإلكتروني :     
* إيميل المستقبل :     
أرسـل إلغاء
التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
أضف تعليقا
الحقول المسبوقة بعلامة (*) هي حقول إجبارية.
* الإسم :  
البريد الإلكتروني :  
* نص التعليق :  
أرسل